المقريزي
219
إمتاع الأسماع
جنس ما يعرفونه ويتعاطونه من الصاحة والبيان . أبان بعد هذا وجه الرحمة في تسمية الله رسوله نبي الرحمة ، ونبي الملحمة ، والحاشر ، وإن الكتاب المعجز باق عندهم بقاء الدهر ، كما قال : ( وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) ( 1 ) ، فمن بلغ وقبل فاز ونجا ، ومن رده وكذب به قوتل ، ونصبت بينه القتال والملحمة حتى ينقاد لشريعته ، أو يقتل لسوء اختياره ، فتتم الرحمة بهذه المعاملة ، ويعرف فضل هذه الأمة على غيرها بإزالة الاستئصال والاصطدام الواقعة بغيرها من الماضين من الأمم . وذكر من طريق عبد الجبار بن عمر الأيلي ، عن عبيد الله بن عطاء بن إبراهيم عن جدته : أم عطاء - مولاة الزبير بن العوام - قالت : سمعت الزبير بن العوام يقول : لما نزلت ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ( 2 ) ، صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي قيس : يا بني عبد مناف ، إني نذير لكم ، فجاءت قريش فحذرهم وأنذرهم ، فقالوا : تزعم أنك نبي يوحى إليك ، وأن سليمان سخر له الجبال والريح ، وأن موسى سخر له البحر ، وأن عيسى كان يحيي الموتى ، فادع الله أن يسير عنا الجبال ويفجر لنا الأرض أنهارا ، فنتخذها محارث فنزرع ونأكل ، وإلا فادع الله بأن يحيي لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا ، وإلا فادع الله أن يصير هذه الصخرة التي تحتك ذهبا ، فنبحث عنها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف ، فإنك تزعم أنك كهيئتهم ، قال : فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي ، فلما سري عنه قال : والذي نفسي بيده ، لقد أعطاني ما سألتم ، ولو شئت لكان ، ولكن خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم ، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة فلا يؤمن منكم أحد ، فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم ، وأخبرني أنه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنه يعذبكم عذابا لا يعذبه أحد من العالمين ، فنزلت : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة ) ( 3 ) ، فقرأ ثلاث آيات فنزلت : ( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى ) ( 4 ) .
--> ( 1 ) الأنعام : 19 . ( 2 ) الشعراء : 214 . ( 3 ) الإسراء : 59 . ( 4 ) الرعد : 31 .